صديق الحسيني القنوجي البخاري
203
فتح البيان في مقاصد القرآن
بغضهم اعتداءكم الحق إلى الباطل ، ويقال جرم يجرم جرما إذا قطع ، قال علي بن عيسى الرماني : وهو الأصل فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره ، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب ، وجرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه ، قال الخليل : معنى لا جرم أن لهم النار لقد حق أن لهم النار . وقال الكسائي : جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي اكتسب ، وقرأ ابن مسعود لا يجرمنكم بضم الياء ، والمعنى لا يكسبنكم ، ولا يعرف البصريون أجرم ، وإنما يقولون جرم لا غير . شَنَآنُ قَوْمٍ مصدر مضاف لمفعوله لا إلى فاعله كما قيل ، والشنآن البغض يقال شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنآنا ، كل ذلك إذا أبغضته ، وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيدة شنآنا بسكون النون لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة ، وخالفهما غيرهما فقال ليس هذا مصدرا ، ولكنه اسم فاعل على وزن كسلان وغضبان ، وقيل سماعي مخالف للقياس من وجهين ، تعدى فعله وكسر عينه لأنه لا يقاس إلا في مفتوحها اللازم . أَنْ صَدُّوكُمْ بفتح الهمزة مفعول لأجله أي لأن صدوكم وهي قراءة واضحة ، والمعنى على قراءة الشرطية بكسر الهمزة لا يحملنكم بغضهم إن وقع منهم الصد لكم . عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا أي على الاعتداء عليهم بالقتل وأخذ المال ، وقال النحاس : وأما إن صدوكم بكسر ( إن ) فالعلماء الجلّة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء ، منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان ، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست ، فالصد كان قبل الآية . ولما نهاهم عن الاعتداء أمرهم بالتعاون على البر والتقوى فقال وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى أي ليعن بعضكم بعضا على ذلك ، وهو يشمل كل أمر يصدق عليه أنه من البر والتقوى كائنا ما كان ، قيل إن البر والتقوى لفظان لمعنى واحد وكرر للتأكيد ، وقال ابن عطية : إن البر يتناول الواجب والمندوب ، والتقوى يختص بالواجب ، وقال الماوردي : إن في البر رضا الناس ، وفي التقوى رضا اللّه ، فمن جمع بينهما فقد تمت سعادته ، قال ابن عباس : البر ما أمرت به والتقوى ما نهيت عنه . وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ أي لا يعن بعضكم بعضا على ذلك الإثم كل فعل أو قول يوجب إثم فاعله أو قائله ، والعدوان التعدي على الناس بما فيه ظلم ، فلا يبقى نوع من أنواع الموجبات للإثم ، ولا نوع من أنواع الظلم للناس إلا وهو داخل تحت هذا النهي لصدق هذين النوعين على كل ما يوجد فيه معناهما ، وقيل الإثم هو الكفر والعدوان هو الظلم ، وقيل الإثم المعاصي والعدوان البدعة ، والأول أولى . وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ،